رحلة الغربة .. لفنان في الغربة
اياد البلداوي
الغربة ، غربة الروح.. النفس..الأنسان داخل أسرته وخارجها ، خارج الوطن وداخله وما أصعب الأخيرة حين يشعر الانسان بالغربة في وطنه وبخاصة حين يفتقد حريته في التعبير عن رأيه ومبادئه التي يؤمن بها ، وحريته في اختيار السكن ، فالأنسان عندما يفقد حقوقه الانسانية كاملة في بلد صادق على جميع مبادئ حقوق الانسان التي أقرتها الامم المتحدة وفي الوقت ذاته لم يلتزم بتطبيق ابسط قواعدها الا وهي حرية السكن ، اما حقوقه الاخرى السياسية والاجتماعية والاخلاقية فحدث ولا حرج في ظل انظمة دكتاتورية متسلطة او دينية تتمسك بأفكار دينية عفنة متخذة اياها ستارًا تمارس وراءه افكارا سياسية ما انزل بها من سلطان ، تحلل الحرام وتحرم الحلال ، أفكاراً تجاوزها الانسان المتحضر منذ مئات السنين .حين فكرت بكتابة هذا الموضوع إثر تداعيات كثيرة مررت بها منذ حقبة الدكتاتور صدام حسين وحتى فترة وجيزة من الزمن ( كما هو حال الكثير من الفنانيين والمثقفين العراقيين وملايين العراقيين الآخرين ) حيث الظروف الأمنية والإقتصادية السيئة التي يعيشها العراق ، قررت استخدام الاسلوب العكسي في كتابة هذا الموضوع مبتدئاً بالمرحلة الحالية ومنتهياً بمسبباتها – ربما ينتقد البعض هذا الاسلوب ويعتبره حالة شخصية ، لابأس سأتقبل ذلك ، لكنها وكما ذكرت حالة واحدة من الاف الحالات التي نمر بها . قبل شهرين وانا في عمان العاصمة الأردنية ، وبعد استكمال اجراءات الهجرة صرت أضرب الأخماس بالأسداس ، كيف سأعيش في هذا البلد الغريب في كل شئ ، بلد لا أعرف عنه سوى الهيمنة الدولية ، والأستعمار ، والتحلل الخلقي ، والاستهتار، التدخل بشؤون الدول والحكومات في العالم وبخاصة دول العالم الثالث ، نعم إنها امريكا التي لم نعلم عنها شيئا سوى ما نقرأه ونسمعه من وسائل الاعلام المختلفة ، دون الولوج لمعرفة تفاصيل مجتمعه التي تختلف من ولاية الى أخرى ومن مدينة الى ثانية ، وهذا ما تريده أنظمتنا لئلا تتكشف حقائق تلك الأنظمة ، مستغفلة شعوبها المغلوبة على أمرها .من هنا تولد الخوف والرهبة من هذا البلد ، حاولت جاهدا التعرف على بعض من تلك التفاصيل ، سألت كل من له شيء من المعرفة بهذا البلد ، كل يجيب من وجهة نظره الخاصة وهذا أمر طبيعي ، منهم من عبّد الطريق أمامي وكأنني سأصل الى جنة الله الثانية واخر لم يبقي شيئا سيئاً في الدنيا لم يذكره واصفاً به أمريكا ، فمن ذا الذي تصدقه ومن تكذب .... كل ذلك والطائرة تحلق بي وعائلتي فوق المحيط الاطلنطي في طريقنا الى مدينة شارلتسفيل بولاية فرجينيا الامريكية وأنا افكر بالمجهول الذي ينتظرنا ، نعم فنان عانى من الغربة في عمان 14 عاما غادرها الى المجهول ، كيف سيعيش في هذا البلد ، فكيف سأتأقلم مع مجتمع جديد في جميع تفاصيل حياته وبخاصة أنا لا اعرف احدا فيه ، ولا أين سأتجه ، وهل حقيقة سأجد من ينتظرني هناك ... تراءت حينها امامي جميع الاحداث التي رافقتني لحظة وصولي الى عمان عام 994 حين غادرت وطني هربا من بطش النظام السابق بعد اعتقالي وتعذيبي في معتقلاته ، حينها لم اجد احدا ولا ادري اين أذهب ، بقيت في الساحة الهاشمية قرابة الساعتين حتى جائني احد سائقي التاكسي حيث عرض خدماته مشكوراً ، أقلني الى مدينة الزرقاء ليذهب بي الى احد فنادق الدرجة الثالثة على انها من الدرجة الثانية حتى تمكنت من الانتقال الى مكان اخر بعدما تعرفت على الكثير من تفاصيل مدينة عمان ، ما بالك بمدينة لم أتقن لغتها وأجهل تفاصيلها ... احداث اخرى كثيرة مرت امامي كفيلم تسجيلي مما ارهقت تفكري .. لم أكن خائفا على نفسي بل على تلك الطفلة التي لم تتجاوز الحادية عشرة من العمر ووالدتها .. وماذا وماذا ..هبطت الطائرة على مدرج المطار الصغير .. دخلنا صالته واذا بفراشة جميلة .. رشيقة القوام تقف امامي مبتسمة لتقول ( البلداوي ) بهت حينها .. اجبت دون توقف ، نعم. فأنا لا أجيد الحديث بالانكليزية لكن زوجتي انقذتني لحظتها ، الغريب انها تعرفت علينا لحظة وصولنا بين عدد كبير من المسافرين الذين يشبهوننا بالشكل ، عرفتنا بنفسها(بربارا) هذا هو اسمها ، إنها من منظمة الانقاذ الدولية . I R C أنا لا أمتلك معلومات كثيرة عن هذه المنظمة من قبل ، رغم كوني كنت رئيسا لفرع الاردن لهيئة حقوق الانسان والمجتمع المدني العراقية وعملت في مجال حقوق الانسان فترة طويلة . حين وصفت تلك الفتاة بالفراشة وصفتها طفلتي من قبل ب( باربي ) اللعبة الجميلة التي عرفها جميع الاطفال ... لحظتها شعرت وعائلتي بالاطمئنان ، لم تمضي دقائق قليلة حتى كنا نجلس الى جانبها في سيارتها الصغيرة حيث انطلقت بنا في شوارع تلك المدينة الجميلة التي ابهرتنا برونق شوارعها وجمال اشجارها المنتشرة على جوانب الطريق اوراقها الجميله والمختلفة الألوان والأشكال مع أننا في فصل الخريف حيث تتساقط أوراق الأشجار .... وبعد دقائق لم نشعر بها ونحن نتمتع بتلك المناظر الخلابة حتى توقفت السيارة لتغادرها تلك الفراشة مسرعة ، ثم فتحت باب احد البيوت وراحت تعرفنا على ارجائه وما تم تجهيزه من أثاث بسيط لا يتجاوز عدد افراد العائلة ومواد تموينية تكفي لأيام محدودة ،كانت تتحدث وكأنها تعزف سمفونية عذبة اللحن والابتسامة لن تفارق شفتيها ، ما بين فرحنا وقلقنا ، تعبنا وإرهاقنا من تلك الرحلة الطويلة ، وبينما نحن على تلك الحال وصلت سيارة اخرى تنقل حقائبنا التي كانت بصحبتنا . من هنا بدأت رحلة الغربة الحقيقية ... رحلة الى المجهول ... حيث اللغة التي تختلف عن لغة بلدك ... كما العادات والتقاليد ...كل شيء هنا مختلف عما اعتدنا عليه ... غادرتنا تلك الفراشة ... ولا ندري ما الذي تخبئه لنا الايام المقبلة ... هل ستعود تلك الفتاة ثانية ؟ هل سنتعرف على اخرين يقومون بمهام اخرى ؟ من هي تلك المنظمة وما هي مهماتها اتجاهنا .. هل تنتهي عند حدود معينه لنعود بعدها الى نفس الحيرة التي رافقتنا في تلك الرحلة .... كل ذلك سنتعرف عليه في الحلقات القادمه من رحلة الغربة ... لفنان في بلد الغربة
رحلة الغربة ....... لفنان في بلد الغربة
( 2 )
اياد البلــداوي
قبل ان تغادرنا تلك الفراشة ( بربارا) من منظمة ال IRC تلقينا منها توجيهات بان لا نفتح باب شقتنا لأي شخص مالم نتأكد من هويته التعريفية … ما استمعنا له أثار فضولنا ..كل منا صار ينظر بوجه الآخر … دون أن
يتفوه بكلمة يكسر فيها ذلك الصمت الموحش ... الجميع يفكر ليجد تفسيراً لما قالته حتى انسانا ذلك تعب الرحلة الطويلة التي زاد وقتها على 17 ساعة …
ساعات مضت ونحن مازلنا على ذات الحال ... متسمرين في مكاننا .. كل يتخذ زاوية له من تلك المقاعد القليلة ..
وجوه واجمة .. صرت اقرأ ما يدور من تساؤلات في عيون كل واحد .. وجدت ذات السؤال - ها نحن في امريـــــكا ؟ ماذا بعد ؟ ما الخطوة التالية بعد الوصول ؟ لاندري …. ذاك هو الجواب … تلك هي الحقيقة … لا ندري … ما الذي تخبأه لنا الأيام المقبله .. خوف وقلق مشروع … أرهقنا التفكير ، ذهب كل منا الى سريره ليأخذ قسطا من النوم العميق …ما أن وضعت رأسي على وسادتي حتى تذكرت أننا في عطلة نهاية الأسبوع .. هذا يعني ان تلك الفراشة لن تعود قبل يوم الاثنين وان منظمة ال IRC ستغلق ابوابها …. حيرة جديدة لم تكن بالحسبان فنحن جدد في هذا المكان .. أتخذ القلق مني مأخذه فزادني ارهاقا .. استسلم الجميع للنوم ولا ندري إن كنا سنحلم أم لا ؟ وأية أحلام تلك التي سنحلمها .... والحلم لم يجد له مكانه منا بعد. فزع الجميع على صراخ في الخارج لم نتوقع سماعه هنا في امريكا ..كما علمنا ان البوليس قد يحضر في اية لحظة حفاظا على راحة الآخرين... تلاه طرق شديد على الباب .. ترى من هذا الضيف الخفيف الثقيل في مثل هذا الوقت ... نظرت الى ساعتي .. انه منتصف الليل ... رحت ابحث عن كلمات اسألها لمن يطرق باب شقتنا في مثل هذا الوقت .. حتى تاهت مني في لجة الطرق والصراخ ... صرت اخلط الانكليزية بالعربية في آن واحد ... وإذا بمجموعة من العراقيين جاؤوا لتهنئتنا بسلامة الوصول ...
عائلتان .. أم شابة وابنتيها واخرى زوج وزوجته وطفليهما معهما شاب أصابه الملل واليأس لأكثر من عام وهو ينتظر وصول زوجته والسبب في ذلك .. منع السلطات الأردنية دخول العراقيين ... عجب عجاب ... بلد عربي يمنع من يريد الانظمام لعائلته !!! فلا عتب على دول اخرى تمنع دخولهم أراضيها ...( والله يا زمن ... .. )
وأنا اتابع احاديثهم أتفحص ما يجول في الاعماق ... انها الحيرة والقلق من المستقبل ... الجميع هنا مرتبط امره بمنظمة الانقاذ الدوليه فهي من يهيئ كافة متطلبات اللاجيء..
كنت قد تطرقت الى هذه المنظمة ... وذكرت في الحلقة السابقة أنني لا أعرف عنها شيئا وهذا ما دعاني الى لقاء مسؤولتها السيده ( سوزن ) حيث اجريت معها هذا الحوار :
منظمة الانقاذ الدوليةIRC في مدينة شارلوتزفيل بولاية فرجينيا تأسست عام 1998 وهي واحدة بين 25 منظمة اخرى منتشره في مختلف البلدان ، المقر الرئيسي للمنظمة هو نيويورك تأسست قبل 75 سنه بطلب من الرياضي الشهير البرت انشتاين ،هدف هذه المنظمة مساعدة اللاجئين الذين فروا من بلادهم نتيجة للمشاكل السياسية والعنف الداخلي
- تستقبل هذه المنظمة سنويا 150 لاجيء تضيف مسؤولة المنظمة ( سوزن ) ان هذا الرقم يعتبر جيدا مقارنة مع صغر هذه المدينة وقد يزداد هذا العدد او ينقص مستقبلا تبعا للظروف
- وعن اسباب انشاء مقر هذه المنظمة في مدينة شارلوتزفيل تقول مسؤولة المنظمة ، هو قلة البطالة ووفرة فرص العمل مما يسهل عملها في انخراط اللاجئين في العمل بشكل سريع لكي يتمكنوا من ادارة حياتهم العامة - وبالاجابة عن عدد اللاجئين العراقيين في هذه المدينة تقول .. في هذه المدينة حوالي 35 لاجيء عراقي حيث وصل اول لاجيء قبل اربع سنوات وهناك 40 -50 لاجيء من الناطقين باللغة العربية . تعمل ( سوزن ) في هذا المجال منذ 30 عاما بدأتها في العلاقات العامه في الخارجية ثم كالفورنيا وواشنطن وتايلاند وهي تديرالمنظمة في هذه المدينة
- تعتمد المنظمةIRC في ميزانيتها على المبالغ المدفوعة من الحكومة الامريكية حيث تخصص 850 دولارا لكل لاجيء وتؤكد بأن هذا المبلغ لا يكفي لذلك تستعين المنظمة بالمعونات والتبرعات التي ترد اليها داخليا وعالميا لتلبي احتياجات اللاجئين وتضيف أن توجه الحكومة الامريكية ان لا يعتمد اللاجيء عليها في ادارة شؤون حياته وهذا هو وجه الاختلاف بين سياستنا وسياسة الدول الاخرى في استقبال اللاجئين فالاعتماد على الانخراط مع المجتمع الامريكي هو الهدف الاساس لذا تجدهم يحصلون على فرص عمل اكثر مما يحصل عليها المواطن الامريكي
- سؤال حول مهمة هذه المنظمة ومتى تنتهي علاقتها مع اللاجيء – تجيب سوزن ان المنظمة تقدم خدماتها للاجيء قبل وصوله الى المدينة ثم تنتهي الخدمات الماليه بعد وصوله باربعة اشهر تقريبا اما الخدمات الاخرى فتستمر حتى حصوله على الجنسية الامريكية .. فنحن لا ننظر اليهم كلاجئين وانما ناجين .. نقدم لهم افضل الخدمات لأدارة الحياة ومعرفة الانظمة ففي السنوات الاخيرة أمتلك ربع عدد اللاجئين هنا بيوتا ويبعثون ابنائهم الى مقاعد الجامعات ويعيشون حياة مستقرة فهم يشاركون الامريكان بكل شيء ، كل شيء هنا يمكنك الحصول عليه بسهوله .
انهيت اللقاء معها عند هذا الحد ... لأعود ثانية لنفس التساؤل ... ما الذي ينتظرنا في هذا البلد الذي لانعرف عن حقيقته شيئا واضحا حتى ساعة وصولنا .... وقد لا نعرفها بعد حين ... هل هناك خفايا ما زالت غائبة عنا ؟ ام تلك هي حقيقة هذا البلد وكما نراها اليوم ... هذا ما سنعرفة في حلقتنا القادمة
اياد البلداوي
الغربة ، غربة الروح.. النفس..الأنسان داخل أسرته وخارجها ، خارج الوطن وداخله وما أصعب الأخيرة حين يشعر الانسان بالغربة في وطنه وبخاصة حين يفتقد حريته في التعبير عن رأيه ومبادئه التي يؤمن بها ، وحريته في اختيار السكن ، فالأنسان عندما يفقد حقوقه الانسانية كاملة في بلد صادق على جميع مبادئ حقوق الانسان التي أقرتها الامم المتحدة وفي الوقت ذاته لم يلتزم بتطبيق ابسط قواعدها الا وهي حرية السكن ، اما حقوقه الاخرى السياسية والاجتماعية والاخلاقية فحدث ولا حرج في ظل انظمة دكتاتورية متسلطة او دينية تتمسك بأفكار دينية عفنة متخذة اياها ستارًا تمارس وراءه افكارا سياسية ما انزل بها من سلطان ، تحلل الحرام وتحرم الحلال ، أفكاراً تجاوزها الانسان المتحضر منذ مئات السنين .حين فكرت بكتابة هذا الموضوع إثر تداعيات كثيرة مررت بها منذ حقبة الدكتاتور صدام حسين وحتى فترة وجيزة من الزمن ( كما هو حال الكثير من الفنانيين والمثقفين العراقيين وملايين العراقيين الآخرين ) حيث الظروف الأمنية والإقتصادية السيئة التي يعيشها العراق ، قررت استخدام الاسلوب العكسي في كتابة هذا الموضوع مبتدئاً بالمرحلة الحالية ومنتهياً بمسبباتها – ربما ينتقد البعض هذا الاسلوب ويعتبره حالة شخصية ، لابأس سأتقبل ذلك ، لكنها وكما ذكرت حالة واحدة من الاف الحالات التي نمر بها . قبل شهرين وانا في عمان العاصمة الأردنية ، وبعد استكمال اجراءات الهجرة صرت أضرب الأخماس بالأسداس ، كيف سأعيش في هذا البلد الغريب في كل شئ ، بلد لا أعرف عنه سوى الهيمنة الدولية ، والأستعمار ، والتحلل الخلقي ، والاستهتار، التدخل بشؤون الدول والحكومات في العالم وبخاصة دول العالم الثالث ، نعم إنها امريكا التي لم نعلم عنها شيئا سوى ما نقرأه ونسمعه من وسائل الاعلام المختلفة ، دون الولوج لمعرفة تفاصيل مجتمعه التي تختلف من ولاية الى أخرى ومن مدينة الى ثانية ، وهذا ما تريده أنظمتنا لئلا تتكشف حقائق تلك الأنظمة ، مستغفلة شعوبها المغلوبة على أمرها .من هنا تولد الخوف والرهبة من هذا البلد ، حاولت جاهدا التعرف على بعض من تلك التفاصيل ، سألت كل من له شيء من المعرفة بهذا البلد ، كل يجيب من وجهة نظره الخاصة وهذا أمر طبيعي ، منهم من عبّد الطريق أمامي وكأنني سأصل الى جنة الله الثانية واخر لم يبقي شيئا سيئاً في الدنيا لم يذكره واصفاً به أمريكا ، فمن ذا الذي تصدقه ومن تكذب .... كل ذلك والطائرة تحلق بي وعائلتي فوق المحيط الاطلنطي في طريقنا الى مدينة شارلتسفيل بولاية فرجينيا الامريكية وأنا افكر بالمجهول الذي ينتظرنا ، نعم فنان عانى من الغربة في عمان 14 عاما غادرها الى المجهول ، كيف سيعيش في هذا البلد ، فكيف سأتأقلم مع مجتمع جديد في جميع تفاصيل حياته وبخاصة أنا لا اعرف احدا فيه ، ولا أين سأتجه ، وهل حقيقة سأجد من ينتظرني هناك ... تراءت حينها امامي جميع الاحداث التي رافقتني لحظة وصولي الى عمان عام 994 حين غادرت وطني هربا من بطش النظام السابق بعد اعتقالي وتعذيبي في معتقلاته ، حينها لم اجد احدا ولا ادري اين أذهب ، بقيت في الساحة الهاشمية قرابة الساعتين حتى جائني احد سائقي التاكسي حيث عرض خدماته مشكوراً ، أقلني الى مدينة الزرقاء ليذهب بي الى احد فنادق الدرجة الثالثة على انها من الدرجة الثانية حتى تمكنت من الانتقال الى مكان اخر بعدما تعرفت على الكثير من تفاصيل مدينة عمان ، ما بالك بمدينة لم أتقن لغتها وأجهل تفاصيلها ... احداث اخرى كثيرة مرت امامي كفيلم تسجيلي مما ارهقت تفكري .. لم أكن خائفا على نفسي بل على تلك الطفلة التي لم تتجاوز الحادية عشرة من العمر ووالدتها .. وماذا وماذا ..هبطت الطائرة على مدرج المطار الصغير .. دخلنا صالته واذا بفراشة جميلة .. رشيقة القوام تقف امامي مبتسمة لتقول ( البلداوي ) بهت حينها .. اجبت دون توقف ، نعم. فأنا لا أجيد الحديث بالانكليزية لكن زوجتي انقذتني لحظتها ، الغريب انها تعرفت علينا لحظة وصولنا بين عدد كبير من المسافرين الذين يشبهوننا بالشكل ، عرفتنا بنفسها(بربارا) هذا هو اسمها ، إنها من منظمة الانقاذ الدولية . I R C أنا لا أمتلك معلومات كثيرة عن هذه المنظمة من قبل ، رغم كوني كنت رئيسا لفرع الاردن لهيئة حقوق الانسان والمجتمع المدني العراقية وعملت في مجال حقوق الانسان فترة طويلة . حين وصفت تلك الفتاة بالفراشة وصفتها طفلتي من قبل ب( باربي ) اللعبة الجميلة التي عرفها جميع الاطفال ... لحظتها شعرت وعائلتي بالاطمئنان ، لم تمضي دقائق قليلة حتى كنا نجلس الى جانبها في سيارتها الصغيرة حيث انطلقت بنا في شوارع تلك المدينة الجميلة التي ابهرتنا برونق شوارعها وجمال اشجارها المنتشرة على جوانب الطريق اوراقها الجميله والمختلفة الألوان والأشكال مع أننا في فصل الخريف حيث تتساقط أوراق الأشجار .... وبعد دقائق لم نشعر بها ونحن نتمتع بتلك المناظر الخلابة حتى توقفت السيارة لتغادرها تلك الفراشة مسرعة ، ثم فتحت باب احد البيوت وراحت تعرفنا على ارجائه وما تم تجهيزه من أثاث بسيط لا يتجاوز عدد افراد العائلة ومواد تموينية تكفي لأيام محدودة ،كانت تتحدث وكأنها تعزف سمفونية عذبة اللحن والابتسامة لن تفارق شفتيها ، ما بين فرحنا وقلقنا ، تعبنا وإرهاقنا من تلك الرحلة الطويلة ، وبينما نحن على تلك الحال وصلت سيارة اخرى تنقل حقائبنا التي كانت بصحبتنا . من هنا بدأت رحلة الغربة الحقيقية ... رحلة الى المجهول ... حيث اللغة التي تختلف عن لغة بلدك ... كما العادات والتقاليد ...كل شيء هنا مختلف عما اعتدنا عليه ... غادرتنا تلك الفراشة ... ولا ندري ما الذي تخبئه لنا الايام المقبلة ... هل ستعود تلك الفتاة ثانية ؟ هل سنتعرف على اخرين يقومون بمهام اخرى ؟ من هي تلك المنظمة وما هي مهماتها اتجاهنا .. هل تنتهي عند حدود معينه لنعود بعدها الى نفس الحيرة التي رافقتنا في تلك الرحلة .... كل ذلك سنتعرف عليه في الحلقات القادمه من رحلة الغربة ... لفنان في بلد الغربة
رحلة الغربة ....... لفنان في بلد الغربة
( 2 )
اياد البلــداوي
قبل ان تغادرنا تلك الفراشة ( بربارا) من منظمة ال IRC تلقينا منها توجيهات بان لا نفتح باب شقتنا لأي شخص مالم نتأكد من هويته التعريفية … ما استمعنا له أثار فضولنا ..كل منا صار ينظر بوجه الآخر … دون أن
يتفوه بكلمة يكسر فيها ذلك الصمت الموحش ... الجميع يفكر ليجد تفسيراً لما قالته حتى انسانا ذلك تعب الرحلة الطويلة التي زاد وقتها على 17 ساعة …
ساعات مضت ونحن مازلنا على ذات الحال ... متسمرين في مكاننا .. كل يتخذ زاوية له من تلك المقاعد القليلة ..
وجوه واجمة .. صرت اقرأ ما يدور من تساؤلات في عيون كل واحد .. وجدت ذات السؤال - ها نحن في امريـــــكا ؟ ماذا بعد ؟ ما الخطوة التالية بعد الوصول ؟ لاندري …. ذاك هو الجواب … تلك هي الحقيقة … لا ندري … ما الذي تخبأه لنا الأيام المقبله .. خوف وقلق مشروع … أرهقنا التفكير ، ذهب كل منا الى سريره ليأخذ قسطا من النوم العميق …ما أن وضعت رأسي على وسادتي حتى تذكرت أننا في عطلة نهاية الأسبوع .. هذا يعني ان تلك الفراشة لن تعود قبل يوم الاثنين وان منظمة ال IRC ستغلق ابوابها …. حيرة جديدة لم تكن بالحسبان فنحن جدد في هذا المكان .. أتخذ القلق مني مأخذه فزادني ارهاقا .. استسلم الجميع للنوم ولا ندري إن كنا سنحلم أم لا ؟ وأية أحلام تلك التي سنحلمها .... والحلم لم يجد له مكانه منا بعد. فزع الجميع على صراخ في الخارج لم نتوقع سماعه هنا في امريكا ..كما علمنا ان البوليس قد يحضر في اية لحظة حفاظا على راحة الآخرين... تلاه طرق شديد على الباب .. ترى من هذا الضيف الخفيف الثقيل في مثل هذا الوقت ... نظرت الى ساعتي .. انه منتصف الليل ... رحت ابحث عن كلمات اسألها لمن يطرق باب شقتنا في مثل هذا الوقت .. حتى تاهت مني في لجة الطرق والصراخ ... صرت اخلط الانكليزية بالعربية في آن واحد ... وإذا بمجموعة من العراقيين جاؤوا لتهنئتنا بسلامة الوصول ...
عائلتان .. أم شابة وابنتيها واخرى زوج وزوجته وطفليهما معهما شاب أصابه الملل واليأس لأكثر من عام وهو ينتظر وصول زوجته والسبب في ذلك .. منع السلطات الأردنية دخول العراقيين ... عجب عجاب ... بلد عربي يمنع من يريد الانظمام لعائلته !!! فلا عتب على دول اخرى تمنع دخولهم أراضيها ...( والله يا زمن ... .. )
وأنا اتابع احاديثهم أتفحص ما يجول في الاعماق ... انها الحيرة والقلق من المستقبل ... الجميع هنا مرتبط امره بمنظمة الانقاذ الدوليه فهي من يهيئ كافة متطلبات اللاجيء..
كنت قد تطرقت الى هذه المنظمة ... وذكرت في الحلقة السابقة أنني لا أعرف عنها شيئا وهذا ما دعاني الى لقاء مسؤولتها السيده ( سوزن ) حيث اجريت معها هذا الحوار :
منظمة الانقاذ الدوليةIRC في مدينة شارلوتزفيل بولاية فرجينيا تأسست عام 1998 وهي واحدة بين 25 منظمة اخرى منتشره في مختلف البلدان ، المقر الرئيسي للمنظمة هو نيويورك تأسست قبل 75 سنه بطلب من الرياضي الشهير البرت انشتاين ،هدف هذه المنظمة مساعدة اللاجئين الذين فروا من بلادهم نتيجة للمشاكل السياسية والعنف الداخلي
- تستقبل هذه المنظمة سنويا 150 لاجيء تضيف مسؤولة المنظمة ( سوزن ) ان هذا الرقم يعتبر جيدا مقارنة مع صغر هذه المدينة وقد يزداد هذا العدد او ينقص مستقبلا تبعا للظروف
- وعن اسباب انشاء مقر هذه المنظمة في مدينة شارلوتزفيل تقول مسؤولة المنظمة ، هو قلة البطالة ووفرة فرص العمل مما يسهل عملها في انخراط اللاجئين في العمل بشكل سريع لكي يتمكنوا من ادارة حياتهم العامة - وبالاجابة عن عدد اللاجئين العراقيين في هذه المدينة تقول .. في هذه المدينة حوالي 35 لاجيء عراقي حيث وصل اول لاجيء قبل اربع سنوات وهناك 40 -50 لاجيء من الناطقين باللغة العربية . تعمل ( سوزن ) في هذا المجال منذ 30 عاما بدأتها في العلاقات العامه في الخارجية ثم كالفورنيا وواشنطن وتايلاند وهي تديرالمنظمة في هذه المدينة
- تعتمد المنظمةIRC في ميزانيتها على المبالغ المدفوعة من الحكومة الامريكية حيث تخصص 850 دولارا لكل لاجيء وتؤكد بأن هذا المبلغ لا يكفي لذلك تستعين المنظمة بالمعونات والتبرعات التي ترد اليها داخليا وعالميا لتلبي احتياجات اللاجئين وتضيف أن توجه الحكومة الامريكية ان لا يعتمد اللاجيء عليها في ادارة شؤون حياته وهذا هو وجه الاختلاف بين سياستنا وسياسة الدول الاخرى في استقبال اللاجئين فالاعتماد على الانخراط مع المجتمع الامريكي هو الهدف الاساس لذا تجدهم يحصلون على فرص عمل اكثر مما يحصل عليها المواطن الامريكي
- سؤال حول مهمة هذه المنظمة ومتى تنتهي علاقتها مع اللاجيء – تجيب سوزن ان المنظمة تقدم خدماتها للاجيء قبل وصوله الى المدينة ثم تنتهي الخدمات الماليه بعد وصوله باربعة اشهر تقريبا اما الخدمات الاخرى فتستمر حتى حصوله على الجنسية الامريكية .. فنحن لا ننظر اليهم كلاجئين وانما ناجين .. نقدم لهم افضل الخدمات لأدارة الحياة ومعرفة الانظمة ففي السنوات الاخيرة أمتلك ربع عدد اللاجئين هنا بيوتا ويبعثون ابنائهم الى مقاعد الجامعات ويعيشون حياة مستقرة فهم يشاركون الامريكان بكل شيء ، كل شيء هنا يمكنك الحصول عليه بسهوله .
انهيت اللقاء معها عند هذا الحد ... لأعود ثانية لنفس التساؤل ... ما الذي ينتظرنا في هذا البلد الذي لانعرف عن حقيقته شيئا واضحا حتى ساعة وصولنا .... وقد لا نعرفها بعد حين ... هل هناك خفايا ما زالت غائبة عنا ؟ ام تلك هي حقيقة هذا البلد وكما نراها اليوم ... هذا ما سنعرفة في حلقتنا القادمة

0 التعليقات:
إرسال تعليق